عبد الشافى محمد عبد اللطيف

259

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عقائدهم والمحافظة على أرواحهم وأحوالهم ، كما تجمعت لدى عمر أخبار ومعلومات وفيرة عن اجتماع الفرس حول يزدجرد الثالث في نهاوند « 1 » وهم يعدون العدة لمهاجمة المسلمين ، فلم يكن أمام عمر من بد سوى أخذ زمام المبادرة فأرسل إلى نهاوند جيشا بقيادة النعمان بن مقرن الذي مزّق جيش الفرس تمزيقا في معركة سماها المؤرخون فتح الفتوح « 2 » . وقال عنها الطبري : « لم تقم للفرس بعدها قائمة ولم تجتمع لهم كلمة » . فر يزدجرد الثالث بعد اندحار جيشه في نهاوند ، وأمر عمر ابن الخطاب الجيوش الإسلامية بالانسياح في بلاد فارس فاستسلمت جميعها دون مقاومة تذكر ؛ لأن روح الفرس المعنوية قد تدهورت ووصلت إلى الحضيض ، وفي خلال عام واحد وهو العام الأخير من خلافة عمر بن الخطاب كانت كل مملكة آل ساسان في قبضة المسلمين ، وتحت سيادتهم . * ردة الفرس بعد وفاة عمر بن الخطاب : في نهاية عام ( 23 ) اغتالت يد مجوسي غادر وحاقد - وهو أبو لؤلؤة فيروز - أعدل الحكام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فهدأت حركة الفتوحات على كل الجبهات تقريبا . بل إن بعض البلاد التي لم تكن قد فهمت طبيعة الإسلام ، وما يحمله لها من خير وعزة وكرامة - قد حاولت التمرد والردة والثورة على الحكم الإسلامي ، وكانت بلاد فارس في طليعة البلاد التي عمتها حركات الارتداد والثورة ، وحدث فيها ما يشبه حركة الردة بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد ظن الفرس أن غياب عمر - لا تنس أن الذي اغتال عمر رجل فارسي - وهو المحرك الرئيسي للفتوحات قد يوفر لهم فرصة لطرد المسلمين من بلادهم ، ولكن حساباتهم كانت خاطئة - كالعادة - فإذا كان عمر هو المحرك الرئيسي للفتوحات - ولا ينكر دوره وفضله - فإن من شغل مكان القيادة في الأمة الإسلامية - وهو عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه - أثبت أنه على مستوى المسؤولية ، فلم يفرط في الإنجاز العظيم الذي حققه عمر ، وكلف ولاته على البصرة - أبو موسى الأشعري وعبد اللّه بن عامر - وعلى الكوفة - سعد بن أبي وقاص والوليد بن عقبة - على التتابع بالتصدي لحركات التمرد الفارسي وقمعها ، وقد قام هؤلاء الرجال بالمهمة خير قيام ، وتمّ إخضاع جميع الأقاليم مرة

--> ( 1 ) انظر البلاذري - فتوح البلدان ( ص 371 ) . ( 2 ) انظر تفاصيل ما دار في نهاوند وما سبقها وما لحقها في الطبري ( 4 / 116 ) ، وما بعدها .